السيد محمد الصدر
51
تاريخ الغيبة الصغرى
فمن ذلك قوله المشهور : وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب « 1 » . وأضاف عليه السلام : وأني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء . فالسحاب كناية عن خفاء العنوان . والشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع . بعد وضوح أن العمل الذي يمكن للمهدي ( ع ) تنفيذه مع جهل الناس بحقيقته وعنوانه - أي في غيبته - ، أقل بكثير مما يستطيع القيام به حال ظهوره وإعلان أمره . وهذا الفهم هو المعين لهذا الحديث الشريف ، بناء على أطروحة خفاء العنوان . لا ما ذكروه « 2 » من التفسيرات التي يرجع بعضها إلى وجود تشريفي فلسفي للإمام ( ع ) ، وبعضها إلى أنحاء تقديرية من النفع . وإنما ذكر علماؤنا الأسبقون إنما من باب « ضيق الخناق » وعدم الالتفات إلى هذا الفهم الواعي . نعم ، يتعين المصير إلى تلك التفسيرات بناء على أطروحة خفاء الشخص . حيث يتعذر العمل على المهدي ( ع ) إلا بالمقدار القليل الذي تدل عليه أخبار المشاهدة - كما عرفنا - ، مما لا يكاد يكفي أن يكون نفعا عاما مشابها لنفع الشمس وإن غيبها السحاب . فلا بد - والحال هذه - من الأخذ في فهم النص بتلك التفسيرات . ولكننا حيث قلنا ببطلان هذه الأطروحة ، يتعين أن نأخذ بفهمنا الواعي لهذا الحديث . ومن ذلك : ما روي عن المهدي ( ع ) مخاطبا لقواعده الشعبية : أنّا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم . ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء . فاتقوا اللّه جل جلاله . وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم ، يهلك فيها من هم أجله ، ويحمى عنها من أدرك أمله « 3 » . ونحن نعلم أن وقوفه ( ع ) ضد الأعداء ونزول اللأواء - وهي الشدائد - ، لا
--> ( 1 ) الاحتجاج ، ج 2 ، ص 284 وغيرها . ( 2 ) انظرها في بيان مفصل لصاحب البحار في ج 13 ، ص 129 . ( 3 ) الاحتجاج ، ج 2 ، ص 323 .